ИЗЛЕЗЕ НОВАТА МИ КНИГА "ДИАГНОЗА: БЪЛГАРИН В ЧУЖБИНА"

ИЗЛЕЗЕ НОВАТА МИ КНИГА "ДИАГНОЗА: БЪЛГАРИН В ЧУЖБИНА"
(за повече информация кликнете върху снимката)

събота, 28 януари 2017 г.

"ПОМЕН ЗА МАМА" ОТ ДИМО РАЙКОВ НА АРАБСКИ ЕЗИК

Благодаря на известния преводач и поет Хайри Хамдан за превода на арабски на моя разказ "Помен за мама"!
Общоизвестна истина е, че да знаеш още един език, значи си се родил още веднъж. В този смисъл аз се радвам и на този превод.
Радвам се, че и чрез превода на такъв богат език като арабския моят вик-проплак за повече обич и внимание към Майката ще стане достояние на още и още люде по земята. Защото съм убеден, че онова, което ще спаси нашия, човешкия ни свят, е любовта и нежността, тоест онова, което ще спади света, а и душите ни, е единствено Майката. Защото кой умее и знае повече да обича и да питае нежност към човека от Нейно величество Майката? От тази, която ражда живот, а не смърт. Тази, която живее за и чрез децата си...Да е благословена нашата Майка, Майката на света!
Khairi Hamdan
ذكرى أمّي - ذكريات مؤلمة للأديب البلغاري المغترب في باريس الصديق ديمو رايكوف Dimo Raikov، وفيها يبثّ ويكتب مشاعره حيث توفيت والدته بعيدًا عنه في أجواء شتوية قاسية حالت دون عودته ووداعها وإلقاء النظرة الأخيرة عليها قبل دفنها.
Един сърдечен и шокиращ разказ на Димо Райков Dimo Raikov, който преживя преди три години смъртта на майка си далече от него, в Малко Търново, при минуси температури и натрупан сняг. Не можа да присъства на погребението на майка си, но тя остана жива до ден днешен в паметта и съзнанието си
ديمو رايكوف
ذكرى أمّي
ولد ديمو رايكوف في مدينة مالكو تيرنوفو عام 1954، أنهى دراسة الأدب البلغاري في جامعة فليكو تيرنوفو، ثمّ عمل محرّرًا في العديد من وسائل الإعلام والصحف الوطنية وأشرف على تحرير الكثير من المجموعات القصصية والروايات. صدر له العديد من المجموعات القصصية والروايات أهمّها "سلّم من حجر" عام 1983، رواية "رسالة إلى الشاطئ الميّت" عام 1993، رواية "البنسيون" 1995، رواية "باريس باريسي" عام 2006، رواية "BG مهاجرون إلى باريس" عام 2008، رواية "55 سرًا عن باريس" ورواية "كستناء من باريس" 2011 وغيرها.
ДИМО РАЙКОВ
ПОМЕН ЗА МАМА
إلى جميع الراغبين بإعلان حبّهم لوالداتهم، اليوم هو التاسع منذ وفاة أمّي يانا. لا أتمنّى أن يتكرّر ما حدث لي قبل ما يزيد على الأسبوع لأحد ولا حتّى لألد أعدائي، يوم وفاة والدتي أبرد أيام حياتي. قرأت عند الصباح في صفحات الإنترنت أنّ درجات الحرارة في جبلي الحبيب "سترانجا" حيث يعيش أبي بتكو وأمّي يانا الطاعنان في السنّ، قد انخفضت لمستويات غير مسبوقة. غطّت الثلوج كلّ شيء وأعلنت حالة الطوارئ في كامل الإقليم بل وفي كلّ أنحاء بلغاريا، حتّى الطريق السريعه ما بين مدينة كارنوبات ومدينة برغاس الساحلية قد أغلقت وهذا المقطع طويل للغاية، وقد غطّت العواصف والثلوج عشرات السيارات، وسارعت طواقم الإنقاذ لإنقاذ المنكوبين لساعات طويلة. شعرت بوخزة مباشرة في القلب حين تلقيتُ مكالمة هاتفية..آه، من اخترع الهواتف الجوّالة؟ الخبر مفجع وكأنّي توقّعته في تلك اللحظة "والدتي وافاها الأجل". صعدت درجات السلم هناك في بيتنا ثمّ سقطت على الأرض، وما أن حضر والدي لنجدتها حتّى كانت قد فارقت الحياة. هدّني الخبر، جلست وبعد حين جمعت أنفاسي وفي تلك اللحظة تذكّرت جواز السفر! نعم، جواز السفر الدولي.
كانت أمّي تحبّ السفر كثيرًا، دون أن تهجر مدينتها والجبل المحيط بها نهائيًا، لذا رغبت بالحصول على جواز سفر دولي لزيارة أحفادها في ألمانيا وفرنسا ولترى بأمّ عينها كذلك كيف يعيشون في الخارج. كانت قد سمعت الكثير عن الحياة خارج حدود الجبل من جهاز الراديو الصغير المتواجد فوق سريرها، وهي الصلة الوحيدة مع العالم الخارجي طوال حياتها الواعية. لن أنسى الفرح الذي شعرت به في نبرات صوتها، حين أخبرتني بالهاتف بأنّها قد ذهبت إلى أستوديو للحصول على صور شخصية لجواز السفر. دفعت عشرة ليفا وهذا ليس قليلا فتقاعدها آنذاك لم يتجاوز ستون ليفا، لكن دعك من المال تقول أمّي، أخيرًا سأحصل على جواز سفر لزيارة تلك الدول يا ماما، الدول الجميلة التي يعيش فيها أحفادي. في المدينة الصغيرة "مالكو تيرنوفو" الواقعة في جبل سترانجا، أدركتُ لوهلة بأنّ أبي وأمي قد نجيا وبقيا على قيد الحياة، في الوقت الذي فقدت فيه العديد من البيوت الأخرى أحد الوالدين على الأقل، ويمرّ جاري الشاب المراهق الأحمق في الأنحاء، تحيّيه أمّي قائلة "الله يعطيك الصحّة والعافية"، يقف الفتى مصدومًا، ينظر إليها ويقول بحقد دفين وكراهية.
- إلى متى ستعيشون أنتم المسنّون ؟ يمضي في طريقه وبعد خطوات يضيف. أنت جدّة لا يستهان بها، المدينة كلّها تتحدّث عن جواز سفرك. هههه، جواز سفر، تقتلني هذه العجوز. ما حاجتك لجواز سفر ورائحتك كلّها تراب؟ تتوقّف أمّي، تتجمّد ابتسامتها الدافئة الحنونة في الهواء وتدور بها الدنيا.
- شعرت بأنفاسي تتوقّف يا ماما، أخذت الدنيا تدور بي وكدت أقع على الأرض، هل أهنته حين رحّبت به وتمنيت له الصحة والعافية؟ والفتى يضحك مبتهجًا كأنّه فاز بجائزة.
حادثة أخرى أخبرتني بها أمّي على الهاتف، يخرج والديّ من حفلة موسيقية في مكتبة المدينة كجزء من أعياد رأس السنة. المزاج والمعنويات النفسية لهذه الفئات التي هدّها الفقر مرتفعة والبهجة تملأ قلوبهم. يستحقون هم أيضًا بعض السرور والترفيه عن النفس والحفل جيّد ومتنوّع والأهم من كلّ ذلك مجانيّ. وإلا كيف يمكنهم شراء التذاكر التي تبلغ كلفة الواحدة منها قيمة مستحقات تقاعدهم المتواضعة؟ أبي وأمّي سعيدان رغم أنّ الفنانة المبدعة قد تمكّنت من ذرف دموعهما من شدّة التأثّر. الحقيقة أنّ ستويانكا موتافوفا الفنانة التي قارب عمره المئة عام رائعة ومتميّزة، تلعب أدوارها بمهارة بالغة عدا عن إنسانيتها وأصالتها رغم تقدّمها في العمر. نعم والداي في منتهى التألق والنشوة وقد شعرا بوقع الحياة من حواليهما، غرفا من نبع الفنّ وقد مضت معظم حياتهما في العمل والكدح من أجل البقاء، وللأسف فإنّ حقد الناس لا يهدأ بل يزداد ويطغا في مثل هذه اللحظات. سلالم المكتبة منحدرة ومتجمّدة، يمسك أبي بيد أمّي التي ترتكئ على ساعده وعندها يسمعان من خلف ظهريهما عبارات شامتة ساخرة.
- هيّا يا متقاعد، احملها على ظهرك. هههه..أنظر إلى القرط الذي وضعته في أذنيها هذه العجوز!..نسيت أن أخبركم بأنّ إحدى حفيداتها قد أرسلت لها قرطًا يليق بالصبايا صغيرات السنّ. رفضت والدتي وضعهما في أذنيها في البداية مع أنّ القرط زينة تقليدية للمرأة، إذا ما استثنينا الحلق النحاسيّ الصغير كنقطة في أذنها.
كانت والدتي العزيزة فرحة وسعيدة بالحفل المسرحي الموسيقي المجانيّ في مبنى مكتبة المدينة، مناسبة تستحقّ ارتداء ثوبها الجديد الذي بقي معلّقًا في الخزانة لسنوات طويلة، قدّمه لها الكاتب الكبير والصديق الإنسان إفريم كارانفيلوف قبل سنوات في إحدى الزيارات التي رافقني فيها إلى البيت، وانتعلت والدتي لهذه المناسبة كذلك الحذاء الجديد الطريّ حسب الموضة، قدّمته لها كنّتها في إحدى المناسبات، ووالدتي تشعر بالدفء والراحة حين تنتعله أمّا القرط في أذنيها فجميل وطويل ولامع كما عنقود العنب. أمّي بالطبع ورغم فقرها وتقدّمها في السنّ تبقى كباقي نساء الدنيا تحبّ الظهور بكامل أبّهتها وزينتها وجمالها. هكذا ارتدت أمّي أجمل ما تملك وشاركت في الحفل وفي نهاية المطاف سمعت عند مغادرتها عبارات جمّدت مشاعرها.
- أنظروا لهذه العجوز يانا، تشبه الفزّاعة بكلّ هذه الزينة!
المتحدّثة وصاحبة تلك العبارات اللئيمة هي مسؤولة القسم الثقافي في المنطقة؟ أصيب والداي بالذهول من وقع الإهانة، ذبل وجه أمّي في الحال واستطال وجه والدي. أتذّكر ردّة فعله تلك منذ صغري، حين يغضب والدي خاصّة لتعرّضه لإهانة يحاول الرجل غالبًا تبرئة الفاعل، وعادة ما يبحث عن السبب في ذاته أو لدى المقربين منه، يستطيل وجهه كما حدث في مكتبة المدينة. ما أن بلغ المنزل في تلك الأمسية حتى أمسك بالكماشة القديمة التي طالها بعض الصدأ، وصاح بأمّي هادرًا:
- يانا، هاتِ قرطك اللعين. أخذ والدي يقصّ عنقوده اللامع الجميلة، وبعد أن انتهى من تشويه الحلق حتى صاح قائلا: الآن يمكن لتلك الحاقدة أن تشعر بالغبطة ولن تهزا بك ثانية. نظرت أمّي لقطع عنقود قرطها المقطوعة بصمت، وارتفع في أعماقها صوت نحيب مفجوع. اختلط بكائها المخنوق بصوت الكمّاشة الصدئ التي عملت بجدّ ودون رحمة بقطع الحلق المنسدلة من أذنيها. مزيج من المشاعر والأحاسيس التي بدت في بادئ الأمر بديهية تليق بمناسبة رأس السنة أصابت بعد ذلك فضاء البيت بالكآبة.
لماذا وما ذنب هذه المرأة التقليدية الطيّبة التي رغبت بقطف لحظة فرح عابرة من كعكة قدّمها غرباء عن المدينة لتستحقّ كلّ هذا العقاب؟ كيف يمكن لطريقتها الأنثوية بإبداء وإظهار معالم فرحتها ونشوتها حتّى وإن لم ترق للذوق العام، أن تتسبّب بكلّ هذا الغيظ والحنق والحسد لدى مواطنة مدينتها الشابة؟ لهذا ازدادت رغبتي لأن تسارع بزيارتي إلى باريس كي تشعر بوقع الحياة على طبيعتها، لترى بأمّ عينها كيف يمارس الناس الحياة هنا وكيف تهتمّ السلطات بكبار السنّ، تضمن لهم المواصلات المجانية وتقيم لهم الحفلات الراقصة واللقاءات وحفلات الموسيقى مجانًا وتقيم لهم العروض المسرحية أيضًا. لترى كيف يسارع الشبّان بإخلاء المقاعد لتجلس النساء في الحافلات ومترو الأنفاق وكيف يخاطبوا كبار السنّ احترامًا "يا سادة". ليس "متقاعد" بل "سادة"، وقع هذه الكلمة جميل أليس كذلك يا أمّي؟
خلال مكالماتنا العديدة التي كانت تستمرّ لساعات في بعض الأحيان، وهي مكالمات مجانية تربط باريس بحوالي سبعين دولة حول العالم، أحثّها دائمًا على الحضور لزيارتي لترى وتتيقّن شخصيًا من كلمة أقولها. حدّثتها طويلا عن هذه المدينة الكبيرة وعن المحترمين من الناس وعن الطيبة التي نشعر بها ونجدها في كلّ مكان من حولنا. تستمع لي أمّي غير مصدّقة وأدرك بأنّ ابتسامة قد ارتسمت على شفتيها، أراها بقلبي وبوجهي وبالصمت المخيّم على الطرف الآخر من الهاتف، وبين الحين والآخر أستمع لمقاطع صوتية غير مفهومة، "هل كلّ هذا حقيقة يا ولدي؟". وتردّد لي دائمًا في نهاية المكالمة:
- لو تعلم كم أرغب بالحضور لطرفك يا ابني، لأكحّل عيني برؤية ابنة حفيدي ولأرى باريس هذه لكنّي طاعنة في السنّ يا ولدي، ألم أخبرك كيف هزئ الناس منّي هنا؟ هكذا تردّ وانا على يقين تامّ من رغبتها الشديدة بالحضور لترى باريس ولتحتضن ابنة حفيدها التي تحمل اسمها.
- لا شكّ أنّ الأمور جميلة في باريس يا ماما، تقول الحبيبة كأنّها ناعسة أو حالمة وتضيف. أنا أستمع دائمًا لتقارير يوليا تاليفا (مراسلة الراديو الوطني البلغاري في باريس)، تتحدّث عن باريس الرائعة مثلك يا ابني، لكن عليك أن تعرف بأنّه لا مثيل ولا أجمل من الوطن، الوطن يا ابني. ومع كلّ ذلك، أعرف جيّدًا حضورها الوشيك إلى باريس.
حين استبدلوا ملابسها وجهّزوها للدفن وجدوا في خزانة الثياب في بيت العائلة ومسقط رأسي أنا وأختي حيث تربّينا، حزمتين من الملابس الجديدة، وعلى كلّ منها علّقت ملاحظة بخطّ يدها المميّز كتب في إحداها "ملابس لباريس"، وعلى الأخرى "مراسم الدفن". وجدوا في الحزمة الأولى قطع عنقود القرط الذي قصّه والدي، كانت قد خبّأتها بعيدًا عن عينيه لتحضرها وتضعها في أذنيها كيفما اتفق في باريس. في عالمي الجميل هنا الذي طالما تمنّت زيارته لترى ابنة حفيدها التي ولدت للتوّ. لباريس المختلفة جذريًا عن مدينتها الصغيرة القابعة هناك في سفح جبل. إلى هنا حيث يمكنها وضع الأقراط العنقودية دون أن تخشى سماع الكلمات الجارحة لرئيسة القسم الثقافي ودون أن تخشى كمّاشات والدي الصدئة. وهاهي أمّي الآن قد ارتقت متلفّعة بثياب الحزمة الثانية. يتوجّب دفنها على الفور ويصعب الخروج ولو لمتر واحد خارج المنزل، فالبرد قاسٍ ودرجات الحرارة منخفضة للغاية والريح تعصف دون رحمة وكثبان الثلوج غطّت كلّ معالم المدينة الصغيرة والجبال المحيطة، أمّا النشرة الجوية فلا تبشّر بخير خلال الأيام القليلة المقبلة. الأرض صلبة متجمّدة وصوت والدي مفعمٌ بالحرقة والحسرة، أشعر كأنّه قد أصيب بمسّ من الجنون، يبكي في أعماقه من شدّة الكمد وقلّة الحيلة ويصيح قائلا:
- علينا أن ندفنها حتى ظهر يوم غد، وحفّارو القبور يرفضون العمل لأنّ الأرض صلبة ومتجمّدة تضرب بالمعول دون فائدة، رجوتهم وبكيت وتمكّنت أخيرًا من إقناعهم، إذا كنت تحبّني ولا تريدني أن ألحق بأمّك عاجلا أرجوك أن توافق على دفنها دون انتظار. أرجوك يا ابني. وافقت على مضض لم أودّعها ولم ألقِ عليها النظرة الأخيرة، تنازلت عن أنانيّتي، ولا شكّ سأبقى أسير شياطيني طوال أيام وسنوات طويلة وهذا أفضل من خسارة والدي الشخص الآخر الذي بقي لي وأحبّه.
تلك كانت أصعب القرارات التي اتّخذتها خلال حياتي، لا أدري إذا ما كنت حيًا أو ميتًا في تلك اللحظات العصيبة؟ ستبقى هذه اللوحة ماثلة أمام عينيّ ما حييت، هنا في باريس على بعد ألفين وخمسمئة كيلومتر عن بيت أهلي في مسقط رأسي القديم المليء بالعطف والمحبّة. كلّ هذا تجمّع في وقتٍ واحد وانا أنصت بكلّ هواجسي وحواسي لسماعة الهاتف، نحن أبناء هذه المرأة المخلصة البسيطة التي عاشت من أجل أبنائها وأحفادها وأبناء أحفادها، كنّا نحن مجتمعها الصغير في "ستراندجا" حيث المدينة الصغيرة، نودّع يومًا عصيبًا يصعب تحمّله، نودّع الوالدة إلى العالم الآخر. بكاء لا يتوقف وصوت القسّ ذو النبرات السريعة الذي تمكّن بصعوبة بالغة من الحضور عبر كثبان الثلج وصوت الشموع المحترقة. جميع هذه التفاصيل حفرت ذاكرتي ولوّنت بقايا شعر رأسي الأسود باللون الأبيض. عندها سمعت بكاء حفيدتي ديانا التي لم تتمكّن والدتي من رؤيتها خلال حياتها. لا أدري كيف شعرت بقوّة مفاجئة ملأت خلايا جسدي المرهق، سارعت بالخروج على الفور من حالة السَهَم والوجوم ووضعت الرضّاعة في فم الطفلة الصغيرة. حدث أمرٌ لا يخطر على بال فقد اختلطت أصوات كتل التراب المتجمدة المنهالة فوق تابوت أمّي المصاحبة لحالة الموت مع صوت رضع الطفل الصغير للحليب تعبيرًا عن الحياة والحيوية.
إلهي هذه نغمة متناسقة يصعب تخيّلها إنّها نغمة الحياة، الحياة بكلّ عظمتها. وحين أنظر للصغيرة ذلك المخلوق غير الواعي كيف ترضع السائل الثمين بنهم، وكيف برتعش جسدها الضئيل أدرك بأنّ أمّي ما تزال على قيد الحياة، وأنّها قد أنجبت هذا الملاك الصغير الراقد أمامي وأنّ حياتنا نحن قاسية للغاية وفي الوقت نفسه جميله ومستمرّة قدمًا إلى الأمام، وأنّ أمّي رغم ارتقائها إلى أعلى ستحمينا وترشدنا وتصلّي من أجلنا. مضى أسبوع منذ رحيلها، هدأ والدي قليلا وبدا صوته أكثر إنسانية عبر الهاتف، وزّع والدي اليوم بعض الطعام عن روحها طلبًا لمغفرة الله ورحمته وكانت والدتي مؤمنة تحبّ الله، ولا بدّ أنّ هذه المحبّة متبادلة وإلا لما عاجل بحضورها إلى جواره بسرعة البرق؟ أرّقتني فكرة "إلى أين الآن؟ لمن أقدّم كسر الخبز في هذه المدينة الكبيرة الجميلة الدافئة مقارنة بمسقط رأسي؟". وفي الأثناء جرّتني قدماي تلقائيًا إلى نهر السين. شاهدت تلك الخيمة المألوفة ما تزال مرفوعة حتّى في هذا البرد الشديد، خيمة تضمّ المنبوذين الشباب القادمين من بلغاريا، هاجروا بحثًا عن حظوظهم في هذا العالم الكبير. آخر كلمات أمّي التي نطقت بها عبر الهاتف كانت "الوطن يا ماما، الوطن. هكذا يردّدون في التلفاز فقط، الوطن هو المكان الأفضل للحياة، كيف لك يا ابني أن تترك شقّتك في صوفيا، كيف ستستقر في المهجر؟ الوطن يا ابني، الوطن، الوطن.". دائمًا تردّد أمّي هذه الكلمة ثلاث مرّات ليس مصادفة بالطبع.
اقتربت من الخيمة ورأيت ثلاثة فتيان يخرجون منها أحدهم ما يزال طفلا يافعًا. أخرج من جيبه..يا إلهي، أخرج مقلاعًا يدويّا من المطاط. مقلاع وطني شبيه بالذي امتلكته يومًا حين كنت صغيرًا، صنعته من المطاط الأسود وكواتشوك العربات الليّن المرن. شعرت بالدفء والحنان وشيء ما شدّ رقبتي وفي رأسي دبّت أمواج من الذكريات الجميلة. آه، ما أكثر المعارك الصغيرة التي خضناها بين الحين والآخر ودائمًا نخرج منها منتصرين. لماذا هاجمتني تلك الذكرى الآن وفي هذه اللحظة. الآن تتتجلّى لحظات العدالة، نعم العدالة. نافورة المياه قريبة من بلدية باريس وأقترب أكثر من خيمة الفتيان الذين يلتقون في هذا المكان عادة مع أترابهم القادمين من بلغاريا. اقطّع فطيرة الجبن الكبيرة وأقسمها بينهم، اللهم إغفر لوالدتي.
قبالة المكان هناك، أرى ألق غروب الشمس الباريسيّ يلوّن بالأحمر مبنى "نوتردام دو باري" وأستمع لصوت أجراس الكنائس. رأيت أمّي آنذاك هناك في العلى تحيطها الملائكة وصوت فخم طيّب مبحوح من شدّة القلق المعتمل في داخلي يردّد.
- الوطن، الوطن، الوطن يا ماما! لا يوجد أجمل من الوطن. أحاول أن أجيبها، أن أسألها "عن أيّ وطن تتحدّثين يا أمّي؟ ذاك الذي طردنا بالقوّة، أم وطن المحتالين والوقحين والفاسدين، أم زوجة أب الموهوبين المرهفي الحسّ؟". أردت أن أطرح أنا الابن بحرقة كلّ هذه الأسئلة عليها هي أمّي، رغم معرفتي بأجوبتها مسبقًا. على أيّة حال أمّي هي يانا فيلتشيفا رايكوفا، امرأة شريفة مكافحة وهي على حقّ حين أكّدت لي بعدم وجود مكان أكثر قداسة من الوطن رغم الفقر وصعوبات الحياة.
استخدم الفاسدون المحتكرون لروافد الحياة هذه المشاعر لدى المواطنين العاديين كوالدي وأمثاله على أحسن وجه، وامتصوا تعبهم وعرق جبينهم مستغلين مشاعرهم الوطنية وطيبتهم ووفائهم وصبرهم على تحمّل المصاعب. أنظر إلى نهر السين، نهر الحرية العريض الذي يمكن أن ترى السحب والأبخرة ترتفع منه رغم برودة الجوّ، وهناك أشاهد جسر "دوبل" على بعد أمتار من الكاتدرالية الساحرة "نوتردام دو باري". كأنّي أرى عبر الضباب الباريسي آخر رقصة لأمّي في نادي المتقاعدين في الحيّ بمناسبة يوم الجدّة والكلّ يرقص بحبور، تلاحقهم أعين كاتيا الحاقدة مديرة المكتبة "أنظروا لهذه العجوز، تحاول أن ترقص كفتاة صغيرة!"، وفي الحقيقة كانت تلك حفلة وداع والدتي، هناك في مدينتي الصغيرة المنسية، حيث الوقع الرتيب للحياة وغلبة اللون الرمادي والأسود والمقولة الشهيرة المتداولة في الأنحاء "اخفض رأسك كيلا يحصده المنجل" وقدرة الأهالي الفائقة على التحمّل والصبر. هكذا رأيتها في تلك اللحظة وهكذا سأراها دومًا ضاحكة سعيدة وطيّبة مرتدية ملابس زاهية، هدية من كنّتها وفي أذنها قرط طويل يليق بالفتيات، هدية من حفيدتها، أقراط خالية من اللمعان والتألق بعد أن عبثت بها كمّاشة والدي الصدئة.
نعم هي لم تهتمّ ولم تصغِ للعبارات والملاحظات البذيئة لأنّها امرأة عادية وكانت في لحظات حياتها الأخيرة على صلة مع الخالق وفي طريقها إليه أيضًا. أرتعش حين أدرك بأنها قد أصبحت جزءًا من المقبرة المتواجدة في نهاية المدينة، لكنّي أستشعر روحها وحضورها الطيّب في كلّ مكان من حولي. أمضي متطهّرًا من داخلي إلى منزل ابنتي يانا وابنتها ديانا البالغة من العمر أربعة أشهر وفي تلك اللحظة أسمع صوتًا:
- شكرًا يا سيّدي، قطعة الفطيرة وكأس النبيذ أعاد الحياة إلى شراييني، كم كنت بحاجة للقمة في هذه اللحظة. ألتفت خلفي وإذا بالفتى الوديع صاحب المقلاع من خلفي موحيًا بالذكاء. يا إلهي هو ما يزال طفلا. شعرت بوخزة في أعماقي كأنّي أسمع صوت المرأة الحاقدة ثانية "أنظروا إلى هذه المتصابية، تحاول أن تتراقص أيضًا!". ثمّ أسمع صوت الجار يقهقه "ههه ترغب بالحصول على جواز سفر دولي، ورائحة التراب تفوح من جسدك!". غضب يعتمل في ذاتي كنبيذ الجزائرية الحارق الثقيل، أذكره منذ طفولتي، يملأني رحيق هذا النبيذ يترسّب في أعماقي. أنظر إلى الفتى اليافع ثانية وعيناه متعلّقة بمبنى بلدية باريس قبالتنا، وصوت ينطلق من أعماقي أو من الطفل الذي كنته.
- لم كلّ هذا البؤس في بلادنا يا ربّي؟ لم هذه اللعنة المخيّمة فوق بلغاريا؟ ولا إجابات، وفي الأنحاء أسرابٌ من الناس تسير في اتجاهات مختلفة. مواطنون فرنسيون عاديون يعيشون حياتهم بأريحية، حياتهم الدنيوية الوحيدة. في تلك اللحظة ارتطم شيءٌ على الأرض أمام قدمي وعدت على الفور إلى الواقع، إنّه أحد العصافير الباريسية. رماديّ اللون وحيويّ يمتلك طاقة فريدة، العصفور هذا بالتحديد سقط وحيدًا وقتيلا، التفت إلى الخلف لأشاهد وجه الطفل يشعّ فرحًا وسعادة. فرح الصغير للموت الذي تسبّب به، قتل بمقلاعه في يوم شتوي بارد مخلوق وحيد يشبهه إلى حدّ بعيد كأنّه هو بالذات. ولم أجد مبرّرًا للغبطة والابتهاج الذي تملّك الفتى الصغير المهاجر وهو على وشكّ أن يشدّ مطاط المقلاع ثانية؟
غادرت المكان بسرعة كما حضرت وأخذ عالم آخر في داخلي يثرثر ويردّد "الوطن، الوطن، الوطن يا ماما". مشيت وفي داخلي ألم والضباب الباريسي التقليدي يفرض سلطته على محيط المكان الجميل من حولي.

Няма коментари: